بهذه الجملة بدأت حكاية سبأ التي كانت تعيش في منطقة الأحجن، داخل أسرة كبيرة مكونة من عشرة أفراد وكانت الأبنة الأولى بينهم، ورغم بساطة الحياة وتقلباتها كانت تنعم بقدر من الهدوء والاستقرار، لكن عند الرابعة عشر من عمرها دخلت عالم الزواج مبكرًا لم يمضِ عام حتى تحول هذا الزواج إلى محطة أليمة" معاملة قاسية وطلاق موجع وانتزاع طفلتها منها وهي لا تزال بعمر شهرين, مرّت سبع سنوات لم ترَ فيها ابنتها وبقي الجرح مفتوحًا يقودها نحو عزلة ثقيلة حاولت فيها أن تلملم نفسها بصمت, ومع ذلك لم تفقد الأمل آمنت بأن الحياة رغم قسوتها ما زالت تخبئ لها عوضًا جميلًا, وفعلًا تزوجت مرة أخرى وفي هذا الزواج عاشت عشر سنوات مليئة بالدفء وأنجبت أطفالًا ملأوا حياتها ضحكًا وطمأنينة, إلى أن جاء ذلك الليل الذي خرج زوجها ولم يعد ثم جاء الاتصال الذي قلب حياتها رأسًا على عقب: استشهاد زوجها, انهار عالمها في لحظة ثلاثة أطفال ينتظرون والدهم وسبأ تبحث عن تفسير للقدر الذي خطف منها الأمان والعوض الجميل, عاشت سنوات من صمت طويل تنتظر عودته كما لو أنه مسافر بعيد, غمرها الحزن, تلاشى شغفها, ابتعدت عن الجميع وأهملت نفسها وحياتها ومسؤولياتها, ثم جاء يوم غير كل شيء, وصل فريق مؤسسة الخدمة الاجتماعية ومنظمة دور كاس ضمن برنامج الدعم النفسي (تواصل) للبالغين, الذي سمعت به عن طريق جارتها حيث كانت سبأ ضمن المستفيدات فقررت رغم التعب أن تحضر الجلسات بحثًا عن أي يد تمتد إليها تساعدها على الثبات.
في الجلسة الأولى كانت صامتة وغير مشاركة ويظهر عليها اليأس والإحباط, وفي الجلسة الثانية بدأت تنظر إلى الميسرات والمشاركات وتستمع إلى كلامهن بانتباه وتركيز وشعرت بأن موضوع الجلسة يلامس حياتها ويتكلم عن معاناتها الداخلية, وفي الجلسة الثالثة تحدثت عن قصتها وتكلمت بثقة عن فقدان زوجها وعن تلك السنوات التي ظلت فيها حبيسة الذكرى الحزينة والخوف, حيث كان حديثها مؤثرًا والدموع تشهد على بداية الشفاء الحقيقي, ثم توالت الجلسات وهناك ولدت سبأ من جديد حيث بدأت تهتم بمظهرها وتحضر بملابس أنيقة ومبتسمة, صارت تشارك مع الميسرات وزميلاتها في المجموعة بنشاط وفاعلية وبدت أكثر تعاونًا وتعبر عن مشاعرها بشجاعة ووعي, وقد لاحظ الجميع التغيير في مزاجها وسلوكها والتغير الايجابي بعد الالتحاق بالجلسات حيث قالت سبأ " وجودي في البرنامج جعلني أهتم بشيء كنت قد نسيته وهو الاهتمام بذاتي وأن أغير أفكاري السلبية إلى أفكار ايجابية وأتحمل مسؤولية أطفالي بأسلوب مختلف عن السابق".
كما قالت" لو رأيت أحد محتاج دعم بشارك معه كل ما تعلمته منكم" ومع استمرارها في حضور الجلسات تغيرت نظرتها للحياة وبدأ الحزن يتلاشى تدريجيًا وصارت أكثر هدوا وتعيش استقرارًا نفسيًا وتهتم بنفسها وبأطفالها وتشارك الآخرين خبرتها وتدعم من حولها.
وتضيف سبأ قائلة: (الحزن ليس مستمرًا في حياتنا ووجوده مثل الملح في الطعام يعطي طعمًا للسعادة ويغير أفكارنا تجاه مواقفنا ومشاعرنا الأليمة بشيء من الرضا ونتعاطف مع أنفسنا وننقل ما تعلمناه إلى الآخرين وهذا هو المكسب الحقيقي من الانضمام إلى الجلسات).
وقالت سبأ في نهاية كلامها (ألف شكر للميسرات اللواتي عرفنّي على نفسي أكثر وأشكر كل القائمين على برنامج الدعم النفسي الذين أعادوني إلى واقعي واطفالي من جديد).